الشيخ محمد تقي الآملي
396
مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى
كما في إلقاء البذر في الأرض وصيرورته سنبلا ، حيث إنه يتوسط بينهما أمور خارجة عن قدرة الزارع ، حتى ينتهي إلى صيرورة البذر سنبلا . فباب المسببات التوليدية مختص بالأولين - أعني ما لا يكون وجود المسبب مغايرا مع وجود السبب أو لا يكون بينهما أمور غير اختيارية فيما إذا تغاير - وأما الأخير - أعني ما كان وجود المسبب فيه مغايرا مع وجود السبب مع توسط الأمور الخارجة عن اختيار فاعل السبب بينهما - فهو أجنبي عن باب المسببات التوليدية ، وبالحقيقة لا يكون فاعل السبب فيه بعينه فاعل المسبب ، بل يكون المسبب غير مقدور له ولو بتوسيط القدرة على سببه ، ولذا لا يتعلق به الإرادة الفاعلية ، بل يكون تصور ترتبه على السبب داعيا لإيجاد سببه برجاء ترتبه . وعلى الثاني - أعني ما إذا اختلف فاعل السبب مع فاعل المسبب - فإما يكون صدور المسبب عن فاعله قهريا بلا إرادة منه ، كما في السقوط في البئر الذي حفره الحافر ، فإنه فعل صادر عن الساقط بلا إرادة منه ، أو يكون بإرادة واختيار من فاعله ، كما إذا القى نفسه في البئر بإرادته ، وباب الضمانات يختص بالأول ، حيث إنه يعتبر ان يكون السبب أقوى من المباشر ، وكونه أقوى انما يتحقق فيما إذا كان صدور المسبب عن فاعله بعد تحقق السبب بلا إرادة منه . إذا تبين ذلك فنقول : التسبيب في الوضوء يكون من قبيل الأخير ، حيث إن فاعل السبب وهو المتوضي مغاير مع فاعل المسبب وهو المباشر . وهذا واضح ، ويكون صدور المسبب عن فاعله وترتبه على السبب باختيار وإرادة من فاعل المسبب ، إذ هو بإرادته يوضّى المتوضي . إذا عرفت ذلك فاعلم أنه لا موضع لدعوى صحة استناد عمل المتولي إلى المتوضي في المقام بتوكيل المتوضي إياه في مباشرة الوضوء ، وذلك لان أفعال الوضوء ليست قابلة للوكالة ، إذ ليس كل فعل مباشرى قابلا للتوكيل ، كما في الأكل والشرب والنوم ونحوها ، فلا يصح ان يوكل الإنسان غيره في أكل طعامه ، بأن يأكل طعامه وكالة عنه في الأكل ، بل مرجع هذا إلى الإباحة ، ولا يعتبر